متخصص بالشأن الفلسطيني

من الموت إلى الحياة: أربعون عاما على مذبحة صبرا شاتيلا آلام لن يطويها النسيان..‏ولا زالت صرخات الضحايا تسمع

من الموت إلى الحياة: أربعون عاما على مذبحة صبرا شاتيلا آلام لن يطويها النسيان..‏ولا زالت صرخات الضحايا تسمع

‏الدكتورة سوي تشاي آنغ‏
يصادف هذا العام مرور الذكرى الأربعين لغزو لبنان ومجزرة صبرا شاتيلا في العام 1982. ولم يكن العديد ممن يقرؤون هذه المقالة قد ولدوا في ذلك الوقت بعد. وسوف يرغب البعض في دفن تلك الأحداث، في حين سيفضل آخرون نسيانها. لكنني أريد أن أتذكر أولئك الفلسطينيين الذين علموني دروسا قيِّمة عن العدالة والنضال. وسوف أكرم ذكراهم وأتشاركها معكم. ‏
‏كنت قد وصلت، قبل أربعين عاما، كطبيبة جراحة متطوعة مع فريق المعونة المسيحية البريطاني إلى لبنان الذي مزقته الحرب، والذي دمره الغزو الإسرائيلي. وتم تعييني في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وعملت في مستشفى غزة التابع للجمعية في صبرا وشاتيلا. وحتى ذلك الحين، كنت أؤيد إسرائيل ولم أكن أعرف أبدًا بوجود الفلسطينيين.
‏قتل ذلك الغزو الآلاف ودمر المنازل وسبل العيش، والمستشفيات والمكتبات، والمصانع والمدارس والمكاتب. كما شتت شمل 14.000 عائلة فلسطينية في إثر ترحيل الأزواج والأبناء المحبوبين، فيما يسمى مجازا بـ”إخلاء منظمة التحرير الفلسطينية مقابل وقف إطلاق النار”. واحتوت خطة حبيب الأميركية للسلام على ضمان حماية المدنيين غير التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية الذين تُركوا في الخلف. لكن الإجلاء مهد الطريق لغزو لبنان البري الذي نفذته مئات الدبابات الإسرائيلية في شهر أيلول (سبتمبر). وشرعت فرقة من الدبابات بإغلاق جميع طرق الهروب من مخيم صبرا وشاتيلا حتى يتسنى ارتكاب مذبحة صبرا وشاتيلا الوحشية سيئة خلال الأيام من الخامس عشر وحتى الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) للعام 1982. وقتل في المذبحة ما لا يقل عن 3.000 فلسطيني عُزّل وبلا دفاع، وجيرانهم اللبنانيون، على يد الحليف الإسرائيلي والميليشيات المسيحية اللبنانية التي دربتها وسلحتها إسرائيل بنفسها. ولم يأت أحد للدفاع عن الأطفال والنساء وكبار السن الذين لا حول لهم ولا قوة أمام المجزرة. وتعرض العديد منهم للتعذيب، في حين اغتصبت النساء قبل أن يتم قتلهن في تلك الأيام الثلاثة المظلمة. ‏
عندما نُشرت صور أكوام الجثث في أزقة المخيمات، تصاعدت أصوات الغضب والإدانة في جميع أنحاء العالم. لكن ذلك الاهتمام الدولي لم يدم طويلا. وسرعان ما تُركت عائلات الضحايا والناجون ليواجهوا الحياة ويستعيدوا ذكرى تلك المأساة المزدوجة للمجزرة والأسابيع العشرة التي سبقتها من القصف البري والجوي والبحري المكثف وحصار بيروت أثناء الغزو، مع الترحيل القسري لنحو 14.000 من معيلي الأسر وقادة مجتمعها الفلسطيني. وتُرك الناجون ليعيدوا بناء حياتهم ومنازلهم المدمرة وتربية أطفالهم بينما يتم دفن الموتى في مقابر جماعية. وواصل العالم سيره وقد أسلمهم للنسيان -وكأنهم أموات بالنسبة لوعي المجتمع الدولي. ‏
‏منذ ذلك الحين، ظلت دوامة اليأس اليومية، التي ازدادت سوءا فحسب بسبب شعور هؤلاء الناجين بالنسيان والإهمال، تزداد سوءًا فقط. إنهم لم يعودوا ببساطة موضوعاً لعناوين الإعلام السائد. وباعتبار أنني كنتُ مقربة من الفلسطينيين في لبنان، فإنني أود أن أسأل: أين التضامن وأين الأمل بالنسبة لهم؟
‏ومع ذلك، عندما أتحدث إلى الفلسطينيين في لبنان بشكل مباشر، فإنهم نادرا ما يشتكون من تعرضهم للنسيان. إن مكمن قلقهم الأول هو وطنهم، فلسطين المحتلة. إنهم يعيشون من أجل فلسطين. وهم يعرفون أن لبنان سيضمن بقاءهم في حالة من عدم الاستقرار، وقد صعب عليهم تدريجيًا العيش بكرامة في هذا البلد. ويبدو الأمر أشبه بعقاب لهم على طردهم من فلسطين إلى بلد لديه ما يكفي بحيث يريد التخلص منهم من خلال جعل الحياة لا تطاق وغير صالحة للاستمرار. ولذلك يبقى خيارهم الوحيد هو العودة إلى فلسطين، لكن حقهم المكرس في العودة لم يُحترم أبدا.‏
‏تم إنشاء اثني عشر مخيما رسميا لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في الشرق الأدنى للبنان لاستضافة أول 110.000 شخص فروا إلى البلد -وهم قسم مما بلغ عددهم نحو 750.000 لاجئ من فلسطين طردوا من ديارهم لإفساح المجال أمام نشوء إسرائيل في العام 1948. ومنذ ذلك الحين، عاشت أربعة أجيال وماتت في مخيمات اللاجئين تلك. فيها ولد الأطفال لاجئين، وكبروا لاجئين، وماتوا لاجئين على تلك القطع الصغيرة من التراب اللبناني التي تشكل الحدود المحدودة والصارمة للمخيمات الرسمية. وأصبح يتعين الآن على تلك المساحات الصغيرة نفسها الخاصة بالـ110.000 لاجئ في العام 1948 أن تستوعب عدد سكان ارتفع إلى نصف مليون نسمة بالزيادة الطبيعية فحسب، إلى جانب تدفق المزيد اللاجئين الفلسطينيين من سورية. وسوف تخلص عملية حساب بسيطة إلى أن الكثافة السكانية للمخيمات قد زادت خمسة أضعاف!‏
وأوضاع سكان المخيمات مزرية؛ إنهم لا حق لهم في العمل ولا في امتلاك منزل. وهم يعيشون جائعين ومحتقرين. وفي المخيم النموذجي يعيش نحو 100.000 شخص في مساحة 1.7 كيلومتر مربع (0.657 ميل مربع) ويموتون ويُدفنون هناك. ويظل بقاؤهم كبشر يعيشون بكرامة على المحك، ويجب أن ندعمه ونحميه جميعا. ‏
‏إنني أتذكر بوضوح صباح يوم الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) من العام 1982، عندما أُجبرت أنا وإلين سيغل، كجزء من فريقنا المكون من 22 عضوا من المتطوعين الطبيين الدوليين، على الخروج من مستشفى غزة تحت تهديد الرشاشات، تاركين وراءنا ثلاثين مريضًا من المصابين بجروح خطيرة، الكثير منهم من الأطفال. وقد كافحنا لثلاثة أيام وليال لإنقاذ عشرات الجرحى الذين نقلوا إلى مستشفى غزة. وأخرجْنا من المستشفى أولئك الذين يستطيعون المغادرة في الليلة التي سبقت تلقينا أخبارا تفيد بأن مستشفانا سيتعرض للغزو في أي وقت، لكن المصابين بجروح خطيرة الموصولين بأجهزة دعم الحياة لم يتمكنوا من المغادرة. وقد شعرت حينها باليأس واعتقدت أنهم سيقتلون بمجرد أن نتركهم. ‏
تحت تهديد فوهات البنادق، مشينا على طول الطريق الرئيسي في المخيم. وكان العشرات، وربما المئات من سكان المخيم العزل -نساء وشيوخ وأطفال- عالقين في طوق الميليشيات. أتذكر الرعب في عيونهم، وأماً شابة تحاول يائسة أن تعطيني طفلها -وقد أُجبرت على العودة به إلى المخيم تحت تهديد السلاح. وقد قتل الاثنان مع من قُتلوا بعد إبعادنا، وقامت جرافات عسكرية كبيرة بهدم المنازل في المخيم. ‏
ربما فكر أولئك الذين سعوا إلى إبادة الفلسطينيين: سوف يضع هذا بالتأكيد حدّا لوجودهم! لقد حللنا “المشكلة الفلسطينية” في لبنان، ولن يرفعوا رؤوسهم مرة أخرى أبداً. ‏
‏عدت بعد يومين من المذبحة لرؤية ما حدث في صبرا وشاتيلا. وهناك كانت المقابر الجماعية، والجثث المتحللة والمنازل المدمرة والأقارب المعذبون. كان هناك يأس وخراب وصراخ يثقب الآذان وسيول من الدموع.
‏لكن ذلك لم يقتل حياة الفلسطينيين. من بين الأطفال الذين نجوا من المذبحة، بمن فيهم العديد من الأيتام المشردين، كانت روح التحدي حية إلى حد كبير. وبينما كانوا يصطفون أمامي لألتقط صورة لهم، كانوا يرفعون أيديهم بعلامة النصر وكأنهم يقولون: “نحن لسنا خائفين. دعوا الإسرائيليين يأتون”. وخلفهم كانت منازلهم التي جُعِلت أنقاضا، وفي الأمام جثث متحللة لم يتم التعرف على أصحابها بعد. كان الهواء ممتلئا برائحة اللحم البشري المتحلل. ولكن، وسط الموت والدمار كان الأطفال الفلسطينيون المكلومون يراهنون بتحد على حقهم في أن يكونوا جزءًا من الإنسانية. كانوا أولى البراعم الخضراء للحياة الجديدة بالنسبة لي!‏
‏أما بالنسبة لبريطانيا العظمى، فيجب تذكر ومواجهة مسؤوليتنا التاريخية عن المساعدة على خلق المأساة الفلسطينية خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين. وبالنسبة للولايات المتحدة -اسمعوا صوت الفلسطينيين الذين يعانون، بمن فيهم اللاجئون في لبنان وهم يصرخون مطالبين بالعدالة والإنصاف! علنا نجعل أصواتهم تُسمع ونسافر معهم من الموت إلى الحياة.
‏*الدكتورة سوي تشاي آنغ Dr. Swee Chai Ang: مؤسِّسة وراعية جمعية المعونة الطبية الخيرية البريطانية للفلسطينيين، مؤلفة لكتب عدة منها: “‏‏من بيروت إلى القدس”، و”طبيبة جراحة مع الفلسطينيين‏‏”، الذي أعيد نشره بعد تحديثه في العام 2019. كانت طبيبة جراحة للعظام في مستشفى غزة في صبرا وشاتيلا خلال مذبحة المخيمين في العام 1982.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: From Death to Life: Forty Years After the Sabra Shatila Massacre

آخر الأخبار
الإعلام العبري: في الدوحة كانت لحظة الحقيقية..لا احد يقبل "الاسرائيليين"وليسوا محميين للابد، ولا يمك... *الطيراوي: الحاسوب الذي تم اختراقه وسحبت منه شهادات التحقيق باغتيال عرفات به معلومات ووثائق غير الشه... تحية إلى الشباب الفلسطيني المقاوم… فعالية لملتقى شباب العودة إلى فلسطين بدمشق السفارة الفلسطينية بدمشق تقيم حفل استقبال بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطين إعلام"إسرائيلي": الجيش يصرخ.. دخلنا مرحلة صعبة وقاسية والانتفاضة الفلسطينية الثالثة قادمة بمميزات غي... *جبهة النضال الشعبي الفلسطيني: في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ندعو فصائل المقاومة الفل... فلسطين حاضرة بقوة في مونديال قطر.."وإسرائيل" تقف خانعة ومكروهة أمام صورتها "المنبوذة"..الجماهير العر... بيان سياسي صادر عن فصائل المقاومة الفلسطينية بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني عبد المجيد: في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الmقاومة والاnتفاصةالشعبية الفلسطينية ستغير... سورية وسفراء إيران وكوبا وفلسطين واليمن وفنزويلاوبحضور قادة وممثلي الفصائل والفعاليات الفلسطينية يؤك... وقائع لقاء شامل للأسد مع باحثين وإعلاميين: سوريا تنتظر أفعال الآخرين لا أقوالهم فقط جبهة النضال تهنئ قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي بالذكرى ال 90 لتأسيس الحزب عملية القدس المزدوجة: الاحتلال يُقِّر بإخفاقٍ مُدوٍّ لمؤسساته الأمنيّة والتحقيقات بطريقٍ مسدودٍ والإ... إصابة 10 أشخاص ومقتل 4 مستوطنين جراء انفجارين قرب محطتي حافلات عند مدخل مدينة القدس عناصر من الجهاد الإسلامي خطفوا جثة إسرائيلي لقيّ مصرعه بحادث سير في وثيقة مسربة.. شهادة العقيد عبد المنعم أبو سردانة..هل اتخذ قرار التخلص من عرفات باجتماع شرم الشيخ؟ فلسطين في المونديال".. فلسطين ستكون حاضرة بأعلامها وقضيتها يرويها شباب أخذوا على عاتقهم المسؤولية في... وفد القيادة المركزية لتحالف القوى الفلسطينية يلتقي الرفيق المهندس هلال الهلال الأمين العام المساعد ل... القضية الفلسطينية والتطورات الراهنة إقليمياً ودولياً ” المخاطر والـتحديات ” ندوة سياسية حوارية في جم... عن تطورات المشهد الفلسطيني الراهن: د. إبراهيم علوش استهداف ناقلة نفط يمتلكها الملياردير"الإسرائيلي"عيدان عوفر بتفجير طائرة مسيرة في "خليج عُمان فصائل المقاومة الفلسطينية بدمشق تشارك الجزائر في حفل الاستقبال بالذكرى ال٦٨ للثورة التحريرية جيشٌ الإحتلال ينهب نفسه؟ سرقوا دبابّةً والضباط والجنود بسباتٍ عميقٍ.. فضيحةٌ مُجلجلةٌ: اقتحام معسكر ... اتفاق القرن الذي تقدم به نتنياهو الى امريكا والعرب لحل القضية الفلسطينية-دولة فلسطينية كونفدرالية مع... ذكرى "إعلان الإستقلال" الوهم..حالة فريدة وغير مفهومة،ومغايرة لكل تجارب الامم والشعوب في العالم