متخصص بالشأن الفلسطيني

مشاعر من المحبة والإخاء.. مسيحيو غزة يصومون رمضان ويفطرون على «سفرة» واحدة مع المسلمين

 

غزة: تنادي الحاجة أم وجيه عكيلة بأعلى صوتها من شباكها الخشبي المتواضع على جارتها المسيحية أم موسى سابا سائِلةً اياها: “شو طبختي اليوم؟!” تردُ أم موسى بصوتٍ أعلى منه “اللي قسمه ربنا”، ترد أم وجيه :”شو بالزبط علشان ما بدنا نعمل نفس الطبخة للأولاد.. علشان بدنا نأكل مع بعض”.

بعد هذا الحديث اليومي الرمضاني تجلبُ أم موسى وجارتها أم وجيه الأطباق التي صنعوها، ويلتف الكبير والصغير من كلا العائلتين على سفرة إفطارٍ واحدة، ويبدأ الجميع بالأكل من طبقٍ واحد، وأثناء الأكل يتبادلون النكات التي تعبرُ عن قوة العلاقة بين العائلتين.

هذا الحب الذي صنعته أم وجيه وأم موسى قبل (40 عاماً) لم يكن في حينها وليد اللحظة بل كان منذ الأزل، فلا دين فرقهم، ولا طائفية استطاعت أن تنال من تلك العلاقة الممتدة.

المسيحي أبو نجيب الترزي (57 عاماً) يستذكر شعوره بالفرح والسرور عند قدوم شهر رمضان المبارك، قائلاً “نفرح عندما يأتي رمضان أكثر من المسلمين.. كنا نحمل الفوانيس ونسير بالشوارع نغني وحوي يا وحوي”.

نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم

الترزي -حفيد أم موسى سابا- يضيف: نعيش منذ مئات السنين في حارات غزة مع أخوتنا المسلمين.. لا أذكر إلا كل حب وسلام ووئام معهم، متابعاً “ما يجمع المسلم والمسيحي في فلسطين هو ترابها، وهوائها، وخضرتها، والكفاح المشترك، ووحدة الدم على هذه الأرض”.

ولا يذكر الترزي يوماً أن تشاجر مع أي جار في مدينة غزة، او تعرض لمضايقة من أي شخص على خلفية دينية، قائلاً “كلهم كانوا ولازالوا في مقام أخوتي، أذكر أني عملت مع شريك لي أسمه علي غبن لمدة تزيد عن (23 عاماً) ولا أذكر أن اختلفت معه ولو مرة واحدة، لقد كان نعم الشريك، وعندما أنهينا الشراكة قال لي حرفيا: “عاشرت كتير وقليل لم أجد فيهم من خصالك”.

وأوضح أن العادات والتقاليد لا تختلف بين المسلم والمسيحي، لأن جميع تلك العادات والتقاليد انصهرت في قالب واحد اسمه “الحب والإخاء”، موضحاً “أنه من درجة الحب والتآخي بين المسلم والمسيحي أن غالبية الجمعيات المسيحية روادها وأعضائها من المسلمين”.

وذكر الترزي أن ما يجمع المسلم مع المسحي في فلسطين أكثر مما يفرقهم إذ تجمعهم فلسطين بكل تفاصيلها، قائلاً: شاركنا وتشاكنا في الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكان أول شهيد في الانتفاضة الأولى مسيحي من عائلة ترزي، ولا يوجد أي فرق بين المسيحي والمسلم.. من يفرق بينهما فهو مخطئ وخائن”.

وفي مشهد آخر يوحي بالتآخي بين المسلمين والمسيحية بغزة، يعانق هلال مسجد « كاتب ولاية » صليب كنيسة « القديس بيرفيروس » منذ مئات السنين، فكثيراً ما يجتمع شباب المسجد بعدما ينهون صلاتهم في باحة الكنيسة لقضاء سهرتهم برفقة جيرانهم وأصدقائهم المسيحيين.

ومع أن المنطقة العربية تشهد حروباً طائفية، لكن الحال في قطاع غزة مغاير؛ حيث يتشارك المسلمون والمسيحيون الهموم ذاتها؛ لكونهم يعيشون تحت سيطرة محتل واحد، ففي الانتفاضة الأولى كانت تحتضن الكنيسة المقاومين كنوع من الحماية، لكن جنود الاحتلال كانوا ينتهكون حرمتها ويعتقلونهم، كما تعرضت لأكثر من مرة لقصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي، آخرها كان في الحرب الأخيرة حينما كانت تؤوي عائلات مسلمة هجرت قسراً من بيوتهم خلال العدوان.

احترام متبادل

في حي الرمال تعيش المسيحية أليسار مسعود برفقة عائلتها المكونة من خمسة أفراد، بجوار عائلة مسلمة، ويتشاركون الأفراح والأحزان.

تصف إليسار علاقتهما بأنها كالعائلة الواحدة، حيث التشابه في العادات والتقاليد، فلا تشعر بأن هناك اختلافاً بينهما، لكن الجارتين تحرصان على عدم الخوض في الحديث عن الأمور الدينية.

تقول: « في إحدى المرات شاهدت ابن جارتي المسلمة يقوم بتقليدي خلال صلاتي (..) وقتئذ صحبته إلى والدته وأخبرتها بما حدث كي تفهمه »، مضيفة: « أحرص على تعليم أبنائي حينما يبلغون سناً معيناً الفرق بين الديانة الإسلامية والمسيحية كي لا يحدث لبس لديهم عند تعاملهم مع أصدقائهم في المدرسة ».

ولفتت إلى أنها تعيش حياتها الطبيعية دون مشاكل سوى المشاكل التي تسبب بها الاحتلال ويعاني منها كل أطياف الشعب الفلسطيني.

ويعكف المسيحيون في غزة على تنظيم حملات تطوعية من تلقاء أنفسهم لإفطار المسلمين، فيوزعون الماء والتمر على الصائمين المتأخرين عن موائد إفطارهم في غزة وقت أذان المغرب؛ تأكيداً على أجواء المحبة والتسامح في المجتمع الفلسطيني.
وتستهدف المبادرة المواطنين الذين تُعيقهم ظروف عملهم عن الوصول إلى منازلهم في وقت الإفطار، حسب ما أفاد فريق عمل المبادرة.

يقول سهيل نقولا ترزي، مدير مؤسسة بيلست الوطنية للدراسات والنشر والإعلام «القائم على المبادرة، إنه يعتز ويفتخر بانتمائه للتاريخ العربي والإسلامي، مُبينا أن المُبادرة التي ينفذونها تشعره بـ “سعادة مطلقة عند التخفيف من توتر الصائمين واستعجالهم لإدراك الإفطار”.

المسيحيون في غزة ينظمون حملات لإفطار المسلمين فيوزعون خلالها الماء والتمر على المواطنين المتأخرين عن موائد إفطارهم

وأضاف ترزي “أن هذه الحملة تأتي للتخفيف من وقوع الحوادث المرورية، وخاصة وقت ما قبل الإفطار (أذان المغرب) بسبب لجوء بعض السائقين للسرعة والتجاوزات الخاطئة للوصول لتناول الإفطار، وللتخفيف عليهم ومساعدتهم للتقيد والالتزام بقوانين السير وتجنب وقوع الحوادث”.

فرحة واحدة..

في الضفة المحتلة كما الحال في غزة، يجسد الشاب المسيحي خليل كوع (37 عاماً) من مدينة نابلس جسّد أبهى صور التسامح الديني في شهر رمضان المبارك، من خلال تقديم الماء والتمر طيلة أيام الشهر الكريم للصائمين، الذين تأخروا لسبب ما في الوصول إلى بيوتهم لتناول وجبة الإفطار.

يقدم خليل نفسه كونه فلسطينياً قبل أن يكون مسيحياً، ومن واجبه المشاركة في المناسبات الدينية للمسلمين، ومشاطرتهم الأفراح والأحزان، ومشاركتهم أعيادهم ويشاركونه أعياده، منتقداً كل من يحاول التمييز بين البشر على أساس الدين، وتمنى أن يحل السلام بين الأديان في كل مكان بالعالم.

يقول كوع بدأت فكرة توزيع التمر والماء على الصائمين في رمضان قبل سبع سنوات، بعد أن اقترح عليّ أحد أصدقائي من المسلمين الفكرة ووافقت دون تردد، وكان برفقتنا شاب آخر من أبناء الطائفة السامرية، وكنا في البداية نشتري الماء والتمر على حسابنا الشخصي، لكن بعد أن انتشر خبر المبادرة بين الناس، سارع أهل الخير لا سيما التجار منهم إلى التبرع بشكل واسع لسد حاجة شهر رمضان من المياه والتمر.

وظل مسيحيو قطاع غزة، كما هي الحال في الضفة الغربية، طوال القرون الماضية، جزءا أصيلا من نسيج وبنية المجتمع الفلسطيني، وكانوا وما زالوا شركاء في النضال والتضحية، وعاشوا مع المسلمين من أبناء شعبهم أسوأ الظروف، خاصة في ظل الحصار وفي الحربين الأولى والثانية على القطاع

 

آخر الأخبار
ملاحقة المقاومين والناشطين ضد الإحتلال .. عارٌ يلاحق السلطة الفلسطينية ويعزل قيادتها عن الشعب *الرئيس المشاط يتلقى برقية تهنئة من أمين عام جبهة النضال الشعبي الفلسطيني *جبهة النضال الشعبي الفلسطيني إقليم لبنان، تنعي وتعزي بضحايا مخيم نهر البارد والمخيمات الأخرى إثر ال... غرق قارب الموت قبالة طرطوس: لماذا يتوالى سقوط ضحايا الهجرة غير الشرعية من الشباب العربي *إصابة 8 مستوطنين بعملية طعن في رام الله واستشهاد المنفذ مجلة أمريكية: هل تسيطر إيران على الضفة الغربية..ضمن "حلقة النار" ضد "إسرائيل"..؟ جنرال إسرائيلي: الحرب القادمة لا قدرة للجيش لمواجهة تهديد إيران وحلفائها وسيُؤدّي لكارثةٍ خطيرةٍ جدً... *عبد المجيد: عودة العلاقة بين حماس وسوريا يساهم في حماية حقوق شعبنا وتعزيز المواجهة للإحتلال والمخطط... النضال والصاعقة تبحثان آخر تطورات ومستجدات الوضع الفلسطيني تعقيبا على الجولة الجديدة من الحوارات الفلسطينية في الجزائر عن المأزق "الإسرائيلي"وأفق الانتفاضة الثالثة..واستغلال الإمكانات الهائلة التي تتيحها المقاومة والانت... الجزائر : فتح تقدم شروطها الاعتراف بالتزامات المنظمة وشروط «الرباعية الدولية».وحماس تطرح رؤيتها والا... الحملة الدولية للدفاع عن القدس تدعو لتصحيح العملية التربوية في القدس ورفض المناج الإسرائيلي *الاجتماع التحضيري لتأسيس جمعية الأخوة الفلسطينية-اليمنية عبد المجيد يلتقي وفد من لجنة التنمية في مخيم اليرموك حماس: تقديرنا لسورية قيادةً وشعبًا؛ لدورها في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته ومقاومته، ونرفض... نفذا عملية مسلحة..مقتل ضابط "إسرائيلي"واستشهاد الشابين "أحمد وعبد الرحمن عابد" تنامي وإشعال بؤر المقاومة في الضفة الغربية..رغم محاولات الإخماد في ذكرى إتفاق أوسلو …. لقاءات سرية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال وخطوات أخرى.. والهدف تعزيز التنسيق الأمني ضد رجال المقاو... هل ستنجح الجزائر في مبادرتها لتحقيق المصالحة الفلسطينية؟..تحرك جديد بملف الحوار الفلسطيني ووفود من “... جيش الاحتلال يواجه صعوبة في وقف الزيادة الحادة في عمليات إطلاق النار في الضفة الغربية "وإسرائيل" تطا... وفد قيادي من “حماس” برئاسة هنية يصل موسكو بشكل مُفاجئ والنونو يكشف الملفات التي سيتم مناقشتها من الموت إلى الحياة: أربعون عاما على مذبحة صبرا شاتيلا آلام لن يطويها النسيان..‏ولا زالت صرخات الضحا... *انفراج في علاقة الأردن بحركة حماس، وعناصر "جاذبة" للأردن وحسن نوايا في خطاب حماس الأخير