متخصص بالشأن الفلسطيني

حكاية مناضل من فلسطين

1

ميرنا الرشيد: صحفية سورية
لم يكن يستهوي المناضل عيسى فارس النمر أي نوع من أنواع الأعمال. لم يعمل في زراعة الأراضي ولا في أية وظيفة مدنية. كان الدفاع عن أرض فلسطين المهمة الوحيدة التي نذر نفسه وروحه من أجلها.
بدأ الشهيد عيسى مرحلة النضال في سن مبكرة. فقد ولِد في قرية الزنغرية عام 1918، قبل بداية الانتداب البريطاني على فلسطين بعامين. أثارت سياسة الانتداب التي تركزت على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين تمهيداً لإقامة كيانهم المزعوم، في نفس الشهيد عيسى عندما نضج وعيه الفكري، غيرته وإيثاره على أرضه، فترسخت فكرة المقاومة في وجدانه منذ ذلك الحين، خاصة أنه قد عاصر في مرحلة شبابه اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وكان من المشاركين فيها. فهو لم يقف مكتوف الأيدي، بل انضم إلى قافلة المنتفضين في وجه الجيش البريطاني والعصابات الصهيونية. لم يستسلم حتى عندما شارفت الثورة على نهايتها. كان هو ورفاقه المقاتلين يشنون بالقرب من قرية الزنغرية هجمات على المستوطنات التي بدأت تتشكل حينها فوق أرض فلسطين.
بعد إعلان قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، آثر الشهيد عيسى البقاء في أرضه والدفاع عنها، حاملاً البندقية وما تبقى معه من رصاصات احتفظ بها من أيام مقاومة الانتداب البريطاني، غير آبه بكل إمكانيات الجيش الإسرائيلي العسكرية، وما يتلقاه من دعم دولي، ولما نفد ما معه من ذخيرة، اضُطر إلى ترك أرضه المحبوبة مرغماً، واللحاق بعائلته إلى بلدة البطيحة في الجولان السوري. ناله هو وعائلته ما نال الشعب الفلسطيني من تشريد ومعاناة ونوم في العراء تحت الأشجار، إلى أن استبدلت المنظمات الدولية بيوتهم وأراضيهم التي كانوا يمتلكونها في فلسطين بمخيمات لجوء توزعت في العديد من الدول العربية.
استمر في التنقل مع عائلته إلى أن حطّ بهم الرحال في منطقة جوبر في دمشق. لم يُنسه البعد الفكر النضالي، ولم تثنه إقامته خارج حدود فلسطين عن متابعة المقاومة واستعادة الأرض. فانضم عام 1958 إلى وحدة الفدائيين الفلسطينيين “الكتيبة 68” التابعة للجيش السوري.
تشكلت هذه الوحدة بهدف التواصل مع فلسطيني الداخل في الشمال من أجل الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية بهدف تنفيذ عمليات فدائية. وكان الشهيد عيسى – أبو محمد – من بين المكلفين بمهام الاستطلاع نظراً لمعرفته الجغرافية بأرض فلسطين التي كسبها من خبرته في قتال الجيش البريطاني.
يستذكر ابنه البكر محمد فارس المدرس المتقاعد المقيم الآن في بلدة صحنايا في ريف دمشق كيف كان والده الشهيد عيسى يُحضر له ولأشقائه حقيبة من فاكهة فلسطين، ويضيف قائلاً “كان يؤلمه جداً أن يزرع الإسرائيليون أرضنا ويتنعمون بخيراتنا. لم يمنعه تقدمه في السن من مواصلة النضال والدخول مراراً إلى فلسطين لجلب المعلومات على الرغم من المخاطر التي كان يتعرض لها”.
وعلى الرغم من توسلات محمد لثني والده عن طريق النضال خوفاً عليه مما قد يصيبه بعد أن شدد الإسرائيليون مراقبة الحدود منعاً لأي محاولة تسلل للفدائيين إلى الداخل، إلا أن الشهيد عيسى لم ينصت لهذه التوسلات لتعلقه الشديد بأرضه. وكان على موعد مع استشهاده في الخامس من تشرين الثاني عام 1963، بسبب كمين نُصب له ولرفيقه المرافقيَن له في المهمة. ودارت الاشتباكات بينهم وبين الجنود الإسرائيليين مدة نصف ساعة أسفرت عن استشهاد الشهيد عيسى فارس وجرح أحد رفاقه فيما تمكن الثالث من النجاة بحياته.
يحكي محمد فارس ابن الشهيد، أنه في ذلك اليوم وعلى غير العادة، لم يستمع إلى الإذاعة الإسرائيلية التي كانت تبث أخبارها عبر مذياع الترانزستور، وتنقل ما كان يجري من اشتباكات مع الفلسطينيين، وتذيع أسماء المقاتلين الذين يستشهدون أو يقعون في الأسر. فقد كان في كل مرة يغيب فيها والده لأداء مهمة الاستطلاع، يدير المذياع لسماع الأخبار والاطمئنان على أن اسم والده لم يرد بين أسماء الشهداء المذكورة.
وفي مساء ذلك اليوم وبينما كان محمد يستقل الباص عائداً إلى المنزل، التقى برفيق والده الذي نجا من رصاص العدو الإسرائيلي، فأخبره بنبأ استشهاد والده فوق تراب قرية طوبا الزنغرية التي رفض أن يتركها للمحتل حتى آخر يوم في حياته. لم تقف وحشية الإسرائيليين عند هذا الحد، فقد احتفظوا بجثمان الشهيد عيسى ما يقارب العشرة أيام، إلى أن تم تسليمه بوساطة منظمة دولية، ليوارى الثرى في مقبرة الدحداح في دمشق، مشكلاً باستشهاده هو والكثير من الفدائيين الفلسطينيين في تلك الفترة نواة حقيقية ارتكزت عليها الأجيال اللاحقة التي أثبتت بالتزامها بنهج المقاومة وفكرها أن فلسطين باقية في الذاكرة والوجدان وأنها ستعود إلى أصحابها مهما طال الزمن.

التعليقات مغلقة.

shares